أثارت المكالمة الهاتفية التي جمعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس السوري أحمد الشرع تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات بين دمشق وتل أبيب، وما إذا كانت تمثل بداية تحول استراتيجي في موازين القوى بالشرق الأوسط.

 

ويرى كرم نعمة، كاتب المقال، أن الاتصال الذي جاء بعد أشهر من تبادل الرسائل النارية عبر الطائرات المقاتلة والصواريخ والوسطاء، بالتزامن مع ضربات استهدفت باحة وزارة الدفاع السورية ومحيط القصر الرئاسي، لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل لحظة مكثفة تكشف عن تحولات عميقة في المشهد الجيوسياسي الإقليمي.


وبحسب مقاله الذي نشره موقع «ميدل إيست مونيتور»، جاء الاتصال في أعقاب تطورات متلاحقة، أبرزها التوترات الطائفية في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية. ويطرح المقال تساؤلات بشأن ما إذا كانت سوريا تخضع بالكامل لمعادلة القوة الإسرائيلية التي فرضت نفسها على المشهد السوري الجديد، أم أن تحرك دمشق يمثل استجابة براجماتية لضغوط كتلة عربية تسعى إلى تطبيع العلاقات الإقليمية، وترى أن إعادة إعمار سوريا ودمجها في محيطها العربي يتطلبان، بصورة أو بأخرى، تحييد جبهات المواجهة المفتوحة مع تل أبيب.


كما يثير المقال سؤالًا جوهريًا بشأن الجهة التي منحت إسرائيل ونتنياهو تفويضًا سياسيًا ودوليًا للتصرف باعتبارهما الوصيَّين على الأقلية الدرزية في سوريا.


ويرى الكاتب أن الإجابة الأكثر واقعية تكمن في اقتصاد مدمر، ومؤسسات دولة منهارة، وسلطة انتقالية أدركت أن إعادة بناء سوريا تتطلب، قبل كل شيء، تصفير العداء الخارجي. فالدول الخارجة من الحروب لا تملك رفاهية إدارة صراعات متعددة في وقت واحد، وتبدو سوريا اليوم أقرب إلى نموذج الدولة المنهكة التي تبحث عن سبل البقاء، منها إلى شعارات «المقاومة» التقليدية.

 


سوريا بين ضغوط إسرائيل ومتطلبات البقاء وإعادة الإعمار


تطرح المكالمة الهاتفية معضلات استراتيجية أكبر بكثير من الإجابات التي قدمتها. فهل تمثل مناورة تكتيكية تستهدف منع التصعيد وكسب الوقت، أم بداية تحول بنيوي يعيد رسم موقع سوريا على الخريطة الإقليمية؟ وهل يتعامل الشرع مع إسرائيل باعتبارها حقيقة جيوسياسية لا يمكن تغييرها، أم أن المنطقة تدخل مرحلة تتراجع فيها الشعارات الأيديولوجية أمام ضرورات البقاء الاقتصادي وإعادة الإعمار والاستقرار؟
 

يتطلب استشراف الإجابة قراءة الموقف السوري الجديد باعتباره محاولة للسير على حبل مشدود بدافع الحفاظ على البقاء، لا استسلامًا مطلقًا.
 

ويفتقر الشرع إلى القدرة العسكرية اللازمة لمواجهة خصم يضرب قلب دمشق دون أن يواجه، وفق توصيف الكاتب، تبعات دولية رادعة. وفي المقابل، يدرك أن الامتثال الكامل للشروط الإسرائيلية قد يؤدي إلى تفكك داخلي ويقوض شرعية حكمه إقليميًا.


ومن هنا، يرى الكاتب أن السيناريو الإقليمي الأكثر ترجيحًا يتمثل في تحرك دمشق نحو إنهاء «حالة الحرب النشطة»، دون الانضمام إلى مسار التطبيع السياسي الرسمي. وقد تسعى سوريا إلى إنشاء إطار أمني ينظم الحدود ويحمي الأقليات، بما يرضي القوى الإقليمية الداعمة لها، ويعزلها عن المحاور الراديكالية، ويحد من تكاليف إعادة الإعمار.


أما على الجانب الإسرائيلي، فيحاول نتنياهو، وفقًا للمقال، إنشاء حزام سياسي وأمني متقدم يمتد عميقًا داخل النسيج الاجتماعي السوري.


ومن خلال تأكيد تل أبيب ما يشبه الوصاية بالوكالة على الأقليات، مثل الدروز، لا تسعى إسرائيل إلى تأمين حدودها الشمالية فحسب، بل تحاول أيضًا إرساء نموذج «الراعي الإقليمي» الذي يمتلك مفاتيح الاستقرار في الدول المجاورة المنهكة.


ويفرض هذا النمط من بسط النفوذ على أي حكومة مستقبلية في دمشق، سواء ترأسها الشرع أو شخصية أخرى، العمل ضمن بنية أمنية تصوغها تل أبيب قبل وصول الملفات السورية إلى أروقة الأمم المتحدة.


وفي المحصلة، لا تعني المكالمة الإعلان عن تحالف جديد، بقدر ما تعكس اعترافًا متبادلًا بواقع جديد لموازين القوى. فقد أدرك نتنياهو أن نفوذه الأمني لن يكتمل دون إخضاع محيطه السوري المباشر لترتيبات تتوافق مع مصالحه، بينما يدرك الشرع أن استعادة الدولة السورية قد تتطلب، للمرة الأولى منذ عقود، إدارة العلاقات مع إسرائيل بمنطق براغماتي يستند إلى حسابات الدولة، بدلًا من الخطاب الأيديولوجي.


وتكمن أهمية الاتصال، وفقًا للمقال، لا في مدته القصيرة، بل في كونه مؤشرًا على شرق أوسط تحولت فيه المستحيلات السياسية بالأمس إلى نقاط تفاوض اليوم.


ومع ذلك، قد تتبدد هذه الحسابات سريعًا أو تنقلب رأسًا على عقب إذا خسر نتنياهو السلطة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

 


نتنياهو ومعادلة القوة: هل تفرض إسرائيل وصايتها على سوريا؟


لا تقتصر المعضلة الأساسية على سوريا وحدها، بل تمتد إلى طبيعة إسرائيل في ظل قيادة نتنياهو. فبحسب الكاتب، تحولت إسرائيل خلال فترة حكمه من دولة تسعى إلى تسويات تحكمها الاعتبارات الأمنية، إلى طرف يتصرف باعتباره القوة المطلقة في المنطقة، مستندًا إلى فائض غير مسبوق من الثقة بالنفس؛ إذ يرى خصومها في ذلك غرورًا عسكريًا، بينما تعتبره قيادتها تفوقًا استراتيجيًا اكتسبته بجدارة.


ولذلك، لا يمكن فصل أي انفتاح سوري محتمل عن شخصية الرجل الذي يمسك بزمام السلطة في تل أبيب.


ويطرح الكاتب تساؤلًا آخر: هل تتواصل دمشق مع إسرائيل باعتبارها مؤسسة دولة دائمة، أم أنها تتكيف قسرًا مع مرحلة استثنائية يفرضها نتنياهو والوقائع الصلبة التي أرستها إسرائيل على الأرض؟


ولا تقل أهمية هذا السؤال عن مسألة التطبيع نفسها. فإذا غادر نتنياهو المشهد السياسي وعادت إسرائيل إلى حسابات أمنية أكثر تقليدية وأقل اندفاعًا، فقد تتغير الأهمية الاستراتيجية لهذه الاتصالات بين عشية وضحاها. وربما يُعاد تفسيرها باعتبارها ترتيبات أمنية عابرة فرضتها موازين قوى مؤقتة، لا تحولًا استراتيجيًا طويل الأمد.

 

 

مستقبل الاتصال السوري الإسرائيلي مرهون بتحولات المنطقة


عندما تهدأ الغبار، قد يتضح أن الحدث التاريخي الحقيقي لم يكن المكالمة الهاتفية بين الشرع ونتنياهو، بل المرحلة التاريخية التي أفرزت ظاهرة نتنياهو نفسها؛ وهي مرحلة دفعت المنطقة بأكملها إلى إعادة تعريف مفاهيم القوة والردع والسيادة، تحت وطأة حرب ممتدة لم تنتهِ بعد، لكنها لن تظل إلى الأبد خاضعة لمنطق المنتصر الذي يعتقد أن التاريخ يتحرك وفق إرادته وحدها.


ويخلص المقال إلى أن الاتصال بين دمشق وتل أبيب يعكس اختبارًا معقدًا لقدرة سوريا على استعادة مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار، في ظل اختلال موازين القوى الإقليمية، وضغوط إسرائيل الأمنية والسياسية. وبين تجنب المواجهة المباشرة ورفض الخضوع الكامل، تحاول السلطة السورية الانتقالية البحث عن مساحة للمناورة تتيح لها حماية مصالح الدولة والحفاظ على تماسكها الداخلي.


ومع ذلك، تظل هذه الحسابات مرتبطة بتطورات المشهد السياسي الإسرائيلي، ومآلات الحرب الإقليمية، وطبيعة الترتيبات الأمنية التي قد تتبلور في المرحلة المقبلة.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20261016-coercive-diplomacy-what-does-the-call-between-netanyahu-and-al-sharaa-really-mean/